الميرزا القمي

310

القوانين المحكمة في الأصول ( طبع جديد )

جواز العمل بالظّن للمجتهد في الكلّ وهو في غيره متأمّل . وذلك لا يوجب تعيين العمل على الأوّل وحكمه بحرمة غيره ، والأصل ينفي تعيين الوجوب ، والذي ثبت اشتغال الذّمة هو وجوب أن لا يترك مقتضى كليهما معا ، لا وجوب أحدهما المعيّن عند اللّه تعالى المبهم عنده مع عدم العلم بتعيينه كما أشرنا في مباحث الأصل والاستصحاب ، فراجع ، وتأمّل ، ثمّ نتنزّل هكذا إلى أن يصل إلى الطّفل في أوّل البلوغ . وممّا ذكر ، يظهر أنّه يجوز أن يبقى ظنّ المتجزّي بحاله مع مخالفة المجتهد المطلق أيضا . ثمّ اعلم أنّ مراتب الظّنون المذكورة مختلفة في أنّ صاحبها قد يتفطّن لكونه ظنّا وقد لا يتفطّن ويحسبه علما بحسب الاطمئنان الحاصل له ، وذلك لا ينافي كونه ظنّا إذ ليس كلّ أحد واجد لشيء عالما بذلك الشّيء ، بل قد نعلم شيئا ولا نعلم أنّا نعلمه فلا ينافي ما ذكرنا عدم تفرقة الطّفل في أوّل البلوغ مثلا بين الظنّ والعلم . واعلم أيضا ، أنّ لكلّ مرتبة من تلك المراتب مدركا هو دليل الحكم ودليلا على جواز العمل به ، كما هو الشّأن في القطعيّات أيضا ، فمدرك الطّفل في تكاليفه هو قول أبيه أو أمّه أو معلّمه ، ودليله على حجّية ذلك عليه هو ما استحسنه من أنّه أكبر منه ، وأقرب إلى الشّرع وأسنّ منه ، فلا بدّ أن يكون مطّلعا بحال الشّرع ، وهكذا دليل من ترقّى عن هذه المرتبة بالنّسبة إلى معلّمه الأوّل ، وهكذا إلى أن يحصل له قوّة الاستنباط ، فمدركه حينئذ هو أدلّة الفقه ، ودليله على الحجّية هو كبراه الكليّة الثّابتة بالدّليل ، مثل الإجماع ولزوم التكليف بما لا يطاق ، وسدّ باب العلم عليه إلّا من هذه الجهة ، ولا فرق في أنّ الدّليل على حجّية الاستنباط من المدرك ، وأنّه يجوز له الاستنباط ممّا لا بدّ منه بين المجتهد وغيره ، والمتجزّي وغيره .